لجنة المالية والميزانية تعقد جلسة استماع حول مقترح قانون تنقيح قانون المالية لسنة 2026.

عقدت لجنة المالية والميزانية جلسة يوم الاثنين 09 فيفري 2026 استمعت خلالها إلى ممثلين عن جهة المبادرة التشريعية حول مقترح قانون يتعلق بتنقيح القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026.
وحضر الجلسة رئيس اللجنة السيد ماهر الكتاري ونائب الرئيس السيد ظافر الصغيري والمقررة السيدة زينة جيب الله، والأعضاء السيدة آمال المؤدب والسادة فاضل بن تركية ومحمد زياد الماهر وعصام شوشان وعلى زغدود ومحمد أمين الورغي ومصطفى البوبكري.
وبيّن ممثلو جهة المبادرة أن مقترح القانون يتضمن حصر تطبيق الإجراء المتعلق بالفوترة في مرحلة أولى على المؤسسات الراجعة بالنظر إلى إدارة المؤسسات الكبرى، مع ضرورة أخذ منظومة حماية المعطيات الشخصية.
وشدّدوا على أهمية وضع رزنامة واقعية لتطبيق الإجراء، واعتماد مبدأ التدرّج في تنزيله، خاصة وأن الصيغة الحالية للفصل 53 تساوي بين المؤسسات الكبرى وبقية المتدخلين الاقتصاديين، رغم اختلاف قدراتهم التنظيمية والتقنية. وبينوا أنه رغم ما تمثّله آلية الفوتورة الإلكترونية من أهمية في تحقيق الانتقال الرقمي، فإنها لا تزال غير جاهزة للتطبيق العملي، إذ تتطلب برنامجًا متكاملًا ومهيكلًا لإنجازها. كما أن تعميمها على جميع مسدي الخدمات يطرح إشكاليات عملية وتقنية وتنظيمية في ظل غياب بنية تحتية رقمية متكاملة، إلى جانب نقص برامج التكوين والمرافقة والدعم الفني اللازم لضمان حسن تنفيذها.
وخلال النقاش، أشار النواب الى عدم جاهزية وزارة المالية لتطبيق الفصل 53 من قانون المالية لستة 2026 في صيغته الحالية، معتبرين أن الإطار المؤسساتي والتقني اللازم لتنفيذه لم يكتمل بعد. وأكد عدد من النواب أهمية مبادرة مجلس نواب الشعب بتنقيح الفصل بما يضمن قابليته للتطبيق ويأخذ بعين الاعتبار البنية اللوجستية الحالية. كما أفادوا أن إرساء نظام الفوترة الإلكترونية يقتضي اعتماد مبدأ التدرّج في التطبيق بدل التعميم الفوري، بما يسمح بتأقلم المتدخلين الاقتصاديين مع المنظومة الجديدة. وأشاروا كذلك إلى أن الموضوع يتطلب تنسيقًا وتواصلًا فعليًا مع جميع الأطراف المتدخلة في المجال.
وفي تفاعلهم، بيّن ممثلو جهة المبادرة أن هذا الإجراء لا يعني التخلي عن الخيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة، وخاصة فيما يتعلق بالفوترة الإلكترونية ورقمنة المعاملات والعمليات التجارية بل يندرج في إطار الإعداد التدريجي لها. كما أوضحوا أنه في مجال إنفاذ القوانين لا يمكن تطبيق الفصول التي لم يتم الإعداد لها بشكل كافٍ على اعتبار أن تنزيل أي إجراء غير جاهز قد يفرز إشكاليات عملية. وأشاروا إلى أن التجارب المقارنة أظهرت اعتماد هذا النظام في عدد من الدول على غرار مصر والمغرب بما يعكس إمكانية تطبيقه متى توفرت الشروط التقنية والتنظيمية الملائمة. وفي هذا الإطار، تم التشديد على ضرورة دراسة مردودية الإجراء خاصة من زاوية انعكاساته على المداخيل الجبائية قبل تعميمه أو التوسع في تطبيقه.
كما استمعت اللجنة إلى هيئة الخبراء المحاسبين بالبلاد التونسية، وفي هذا الإطار، بين رئيس الهيئة أنّ الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 المتعلق بتوسيع مجال التعامل بالفوترة الإلكترونية، أثار عديد الإشكاليات على مستويات مختلفة تتعلّق بتطبيقه الفعلي وبالتأويل التشريعي وبصعوبة امتثال المتعاملين الاقتصاديين لمقتضياته. وأكّد أنّ هذه الإشكاليات لا يمكن تجاوزها إلا من خلال تعديل الفصل في حدّ ذاته لتجنّب إسناد سلطة تشريعية للإدارة عبر التأويل من خلال المذكرات التفسيرية.
واعتبر أنّ اعتماد الإدارة على مذكرات تفسيرية قد يؤدّي إلى توسيع مجال التطبيق خارج الإطار التشريعي الأصلي بما من شأنه أن يمنح الإدارة سلطة تأويلية ذات طابع تشريعي، وهو ما يتعارض مع مبادئ الأمن القانوني واستقرار المعاملات
كما أشار إلى أنّ تاريخ دخول هذه الإجراءات حيّز النفاذ لم يراعِ الجاهزية الفعلية للمؤسسات، إذ إنّ اعتماد الفوترة الإلكترونية بصيغة حينية يقتضي توفّر بنية لوجستية واستثمارات تقنية ومالية هامة وهو ما يصعب تحقيقه بالنسبة لعدد كبير من المؤسسات خاصّة الصغرى والمتوسطة. وأكّد أنّ فرض الامتثال في غياب هذه الشروط قد يؤدّي إلى عجز المؤسسات عن الالتزام، وما يترتّب عن ذلك من مخاطر قانونية وغرامات مالية دون تحقيق الأهداف المرجوّة.
كما بيّن رئيس الهيئة أنّ مجال تطبيق الفصل 53 أضاف عمليات إسداء الخدمات دون تحديد واضح للقطاعات المعنية أو لحجم المعاملات، مستوضحا عن أسباب عدم شمول القطاع الصناعي أو التجاري، وعن معايير تحديد تعريف دقيق لمسدي الخدمات، مع الإشارة إلى أنّ الإدارة اعتمدت على معيار «قرينة التصريح بالوجود».
وأكّد الخبراء المحاسبون أنّه عند إعداد الفصل لم يتم أخذ النسيج الاقتصادي التونسي بعين الاعتبار لضمان قابلية التطبيق الفعلي وتحقيق الامتثال لمثل هذه الإجراءات. وفي هذا السياق، استندت الهيئة إلى إحصائيات المرصد الوطني للمؤسسات التي تفيد بأنّ أكثر من 80 % من المؤسسات التونسية هي مؤسسات فردية أو مؤسسات صغرى لا يتجاوز عدد العاملين بها خمسة أشخاص من جملة حوالي 825 ألف مؤسسة. كما أنّ 20 % فقط من هذه المؤسسات تنشط في قطاع الخدمات وهي في أغلبها مؤسسات متعددة الاستغلال وهو ما يمثّل عائقًا أمام خضوعها لمنظومة الفوترة الإلكترونية، مشددين على ضرورة مراعاة خصوصية النسيج الاقتصادي الوطني، واقتراح التطبيق التدريجي والفعلي لهذه الإجراءات.
وتطرّق كذلك إلى الإشكاليات المتعلّقة بالكلفة الحقيقية للانخراط في منظومة الفوترة الإلكترونية سواء من حيث كلفة إصدار الفواتير واستخراجها أو كلفة الإسناد والمراقبة، إضافة إلى الأعباء التقنية الناتجة عن تكييف المنظومات المحاسبية القائمة وربطها بالمنظومة العمومية وهو ما يمثّل عبئًا ماليًا إضافيًا خاصّة على المؤسسات الصغرى.
كما أكّد الخبراء المحاسبون ضرورة ضمان التأمين الرقمي للفوترة الإلكترونية قصد تحقيق الشفافية، محذّرين من مخاطر القصور في الأمن الرقمي (sécurité numérique)الذي من شأنه أن يطرح إشكاليات خطيرة من بينها تعميق التهرّب الجبائي وعدم إمكانية التطبيق السليم للفصل، منبهين إلى مخاطر القصور في الأمن الرقمي وحماية المعطيات، خاصة وأنّه لا توجد ضمانات فعلية وكافية لحماية المعطيات الحسّاسة المضمّنة في الفواتير الإلكترونية خاصّة تلك المتعلّقة بالأسعار والتخفيضات والمعاملات التجارية رغم وجود بنود تعاقدية مع المزوّدين بما يفتح المجال لاستغلال المعطيات بطُرق غير مشروعة ويؤثّر سلبًا على المعاملات الاقتصادية ومناخ الاستثمار.
كما أوضحوا أنّ التجربة التونسية استأنست بالتوجّه الأوروبي في مجال الفوترة الإلكترونية، غير أنّ التجارب المقارنة قامت على مبدأ المرحلية والتدرّج في التطبيق، مع مراعاة الجاهزية التقنية والتنظيمية للمؤسسات وهو ما لم يتم اعتماده بالقدر الكافي في السياق الوطني. وأكّد في هذا الإطار على ضرورة اعتماد مقاربة تدريجية قائمة على توضيح الإطار القانوني والتنظيمي وتوفير المتطلّبات التقنية الأساسية من تسجيل المؤسسات بالسجل الوطني للمؤسسات إلى تمكينها من المفاتيح الإلكترونية والعناوين التقنية اللازمة لتبادل المعطيات، بما يضمن نجاح التحوّل الرقمي دون الإضرار بالتوازنات الاقتصادية أو تحميل المؤسسات أعباء تفوق قدرتها.
وخلال النقاش، اعتبر النواب أن استعمال البرامج الحديثة كآلية واستراتيجية لتطوير الرقمنة يقتضي دراسة معمّقة تسبق اعتمادها سواء من حيث الجدوى أو من حيث متطلبات التنفيذ. وتساءل عدد من النواب عن مدى ارتباط هيئة الخبراء المحاسبين بهذا الموضوع وحول الصعوبات العملية التي تعترضها في الواقع، إضافة إلى الحلول المقترحة وما إذا كان من الأجدى تنقيح الفصل أو تأجيل تطبيقه. كما طُرح تساؤل جوهري حول مدى توفر بنية تحتية رقمية تسمح بالشروع في تطبيق الإجراء ولو بصفة جزئية في ظل التفاوت القائم بين المؤسسات من حيث الجاهزية التقنية.
وفي هذا الإطار تمّ التنبيه إلى أن آجال تلقي مطالب المؤسسات المعنية من قبل شبكة تونس للتجارة تُعد طويلة جدًا وهو ما يشكل عائقًا عمليًا يحول دون التطبيق الفعلي للإجراء في الآجال المحددة. ورأى بعض النواب أن التنقيح المقترح لا يفي بالغرض وأن الحل الأنسب يتمثل في إقرار تأجيل أو إيقاف تطبيق الإجراء.
وفي ردودهم، بيّن ممثلو هيئة خبراء المحاسبين للبلاد التونسية أن تطبيقة شبكة تونس للتجارة (TTN) موجودة فعليًا، غير أنّ طاقة استيعابها لا تستجيب للكمّ الهائل من المتدخلين المعنيين بالإجراء، وهو ما يحدّ من قابليته للتعميم في وضعها الحالي. وبيّنوا أن علاقتهم بالموضوع تندرج من جهة في إطار التزامهم بتقديم الفاتورة الإلكترونية للحريف، ومن جهة أخرى في علاقتهم بالمؤسسات نظرًا للصعوبات العملية التي تواجهها هذه الأخيرة في اعتماد التطبيقة واستعمالها بصفة ناجعة. وفي هذا السياق، تم التأكيد على أن إصدار مذكرة من قبل وزارة المالية لن يحل الإشكال باعتبار أن الإجراء تم إقراره بنص تشريعي وبالتالي فإن المشرّع هو الجهة المخوّلة لمراجعته أو تعليقه. كما قدّموا جملة من الملاحظات حول مقترح القانون من أبرزها ضرورة تعميم الإجراء على جميع المؤسسات الكبرى في معاملاتها مع القطاعين العام والخاص دون تمييز بين المؤسسات أو القطاعات التي تنتمي إليها، إضافة إلى ضرورة منح هذه المؤسسات آجالًا كافية لاعتماد التطبيقة والتأقلم مع متطلبات الإجراء.
وتم في الختام التأكيد على أن الحل الجذري يتمثل في تأجيل العمل بهذا الفصل إلى حين توضيح جميع النقاط المتعلقة به والتثبت من الجاهزية الفعلية لكافة الأطراف المعنية بتطبيقه.
وواصلت اللجنة أعمالها بعد الظهر، حيث أثار النواب خلال هذه الجلسة مسائل تتعلق بضرورة تفعيل الدور الرقابي للجنة. وتم تأكيد أهمية متابعة كيفية استعمال القروض التي تمّت المصادقة عليها سواء عبر الاستماع إلى الأطراف المعنية أو القيام بزيارات ميدانية للمعاينة.
وأوضح النواب أن هذه الزيارات الميدانية يجب أن تكون عملية وجدية بهدف الاطلاع المباشر على توجيه الأموال نحو المشاريع الممولة وضمان حسن التنفيذ. كما أكّدوا ضرورة متابعة تنفيذ النصوص القانونية وإصدار الأوامر الترتيبية المتعلقة بها.
وقررت اللجنة إحداث فرق عمل خاصة تتولى متابعة هذه المسائل على نحو دقيق. كما قررت الشروع في دراسة مقترح قانون متعلق بالبنك البريدي ومراسلة كل من وزارة التربية ووزارة الاقتصاد والتخطيط حول القروض الممنوحة في إطار تعصير المنظومة التربوية.
كما قرّرت القيام بزيارة ميدانية الى البنك المركزي في تاريخ سيتم تحديده لاحقاً وذلك لتفعيل دورها الرقابي بشكل عملي وفعال

الملفات المرفقة :

مقالات أخرى