عقدت لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة جلسة يوم الخميس 14 أفريل 2026 خصصتها للاستماع إلى السادة فتحي المولدي وماهر السنوسي ومنصف بن زايد وطارق منصور بصفتهم خبراء في القانون الرياضي والنزاعات الرياضية وذلك في إطار مواصلة اللجنة دراسة مقترح القانون الأساسي المتعلق بالهياكل الرياضية. وذلك بحضور السيد عبد الرزاق عويدات رئيس اللجنة والسيد منير كموني نائب الرئيس والسيد نجيب عكرمي المقرر وكل من السيدة منال بديدة والسادة كمال فراح وحسن بن علي وناصر الشنوفي، وعدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
وفي مستهل الجلسة ثمّن الأستاذ فتحي المولدي مبادرة اللجنة بوضع مقترح قانون الهياكل الرياضية على طاولة النقاش بعد سنوات طويلة من الانتظار، واثار مسألة التضخم القانوني للمقترح الذي يتجاوز مائتي فصل بما يجعل منه قانونا غير مفهوم ويصعب تطبيقه مع إمكانية تداخل في صلاحيات الهياكل المحدثة صلبه، معتبرًا أنّ المشروع يتضمّن تفاصيل تنظيمية يمكن تركها للنصوص الترتيبية أو للأنظمة الأساسية للهياكل الرياضية، مؤكدا ان القانون الأساسي يجب أن يقتصر على المبادئ العامة.
أما من حيث الأصل تطرق الأستاذ في جزء أول الى مسالة استقلالية الهياكل الرياضية مؤكدا انه رغم تواتر عبارة الاستقلالية في عديد من الفصول فان الاليات التطبيقية لتفعيلها غائبة وتفرغها من محتواها، حيث أن الصلاحيات الممنوحة للوزير المشرف على القطاع واسعة جدا وغير عادية ولا يمكن أن تقبل، معتبرا ان النص يكرس الوصاية على الهياكل الرياضية، في حين أنّ مبدأ الاستقلالية الوظيفية للهياكل الرياضية يُعدّ من المرتكزات الأساسية التي تعتمدها الاتحادات الرياضية الدولية، مبيّنا أنّ أيّ إخلال بهذا المبدأ قد ينعكس سلبا على علاقة الهياكل الرياضية الوطنية بالهيئات الدولية وعلى مدى انسجام المنظومة القانونية الوطنية مع الالتزامات والمعايير المعمول بها دوليا.
من جهة أخرى، لاحظ أن المقترح لا يراعي خصوصية الجمعيات الصغرى والهاوية التي لا يمكنها مجابهة ما جاء في النص من إجراءات إدارية بيروقراطية، داعيا الى تبسيط الصياغة القانونية وتقليص التفاصيل الإجرائية. كما انتقد المتدخل غياب الدقة في عديد المصطلحات.
ثم تولى تقديم ملاحظات حول فصول المقترح خاصة المتعلقة بتحديد المدد النيابية لرؤساء وأعضاء المكاتب التنفيذية للهياكل الرياضية بثلاث مدد مع عدم انسحاب هذا المبدأ على من كان عضوا بمكتب تنفيذي لجامعة دولية عالمية أو رئيسا لإحدى لجانها، واعتبر أنّ هذا الاستثناء غير مقبول ويتعارض مع الأعراف الديمقراطية ومبدأ التداول على المسؤوليات، محذّرا من أن يُفهم النص على أنّه صيغ على مقاس أشخاص بعينهم. كما شدّد على المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق اللجنة في إرساء قواعد حوكمة شفافة وعادلة، مقترحا حصر المدد النيابية في دورتين فقط تكريسا لمبدأ التداول.
أما بخصوص اللجنة المستقلة للأخلاقيات الرياضية اعتبر ان المقترح اسند اليها صلاحيات غير واضحة وفي تداخل مع مشمولات الوزير، مضيفا أن احداث لجنة الرياضيين الناشطين غير ذي جدوى مقترحا في صورة الإبقاء عليها أن تضم قدماء رياضيي النخبة والرياضيين المتقاعدين الذين يعانون في أغلب الأحيان من وضعيات اجتماعية صعبة.
وفي جزء ثان، اعتبر الأستاذ ماهر السنوسي أن مقترح القانون يجب ان يكون إطارا تشريعيا عاما يعبر عن فلسفة الدولة لتناول الظاهرة الرياضية ولمعالجة كيفية إدارة الهياكل الرياضية التي تعاني أزمة حقيقية على المستوى الهيكلي والمؤسساتي، وفي هذا السياق، شدّد على أنّ من أبرز مكامن الضعف في المقترح غياب التمييز الواضح والدقيق بين الرياضة الهاوية باعتبارها القاعدة والنواة الأولى للمنظومة الرياضية، وبين الرياضة الاحترافية من جهة، إضافة الى التضخم القانوني من جهة أخرى في خلط واضح بين الميدان التشريعي والترتيبي والتنظيمي مما ينزع عنه صفة القانون الأساسي.
كما أثار الأستاذ غياب واضح لمبدأ الاستقلالية، مقابل التوسع في تدخل الوزارة في قرارات الهياكل الرياضية في مخالفة لمبادئ القانون الرياضي الدولي وهو ما يجعل التشريع الوطني غير نافذ أمام الهياكل الرياضية الدولية ويعرض تونس الى مخاطر كبرى، مؤكدا ان استقلالية الهياكل الرياضية مسالة أساسية لم تقع معالجتها بطريقة سليمة في فصول المقترح.
أما فيما يتعلق بمسألة الشركات ذات الموضوع الرياضي اعتبر أنها حررت في 16 فصلا جاءت في صيغة ترتيبية غير معمقة في غياب لنظام قانوني حقيقي للرياضة المحترفة، مقترحا إقرار جملة من الحوافز القانونية والجبائية لتشجيع احداث هذه الشركات.
كما تولى تقديم جملة من المقترحات حول عديد الفصول تعلقت أساسا بمدى استجابة النص المعروض لتحقيق توازن بين استقلالية الهياكل الرياضية وحوكمة الرقابة على المال العام من خلال نظام تعديلي يتطابق مع القانون الدولي، مؤكدا أن تدخل الوزارة في المجال الرياضي أمر ضروري لكن يجب أن يكون بنصوص صريحة ولا يرتكز على مصطلحات فضفاضة قابلة للتأويل وليس لها تعريف قانوني واضح يترتب عنها خلق إشكالات تطبيقية وتأويلية لا مناص منها.
واعتبر أن المقترح جاء بسابقة خطيرة من خلال تنصيصه على ان كافة المسائل المتعلقة بتمثيل تونس بالخارج تخضع للموافقة المسبقة للوزارة المكلفة بالرياضة معتبرا ان مثل هذه الصياغة غير مقبولة في منظور الهياكل الدولية وستفضي الى رفض اي ترشح تونسي باعتباره مرشح وزارة الرياضة. كما انتقد الصلاحيات الممنوحة لعديد اللجان المحدثة والمعينة من قبل الوزارة والتي تتقاطع مع اللجان الموجودة في الجامعات الرياضية.
وبخصوص الهيئات الرقابية والتحكيمية أكد المتدخل ان الاعتراف بقراراتها يفترض خضوعها الى جملة من المبادئ الأساسية منها خاصة الاستقلالية والحياد بما يكفل حماية حقوق جميع الأطراف وهو ما خالفه المقترح بتنصيصه على تعيين خمسة أعضاء من مجلس الهيئة الوطنية للحوكمة واخلاقيات الرياضة من قبل وزير الرياضة. معتبرا في ذات السياق ان منح الوزير المكلف بالرياضة إمكانية تسليط عقوبات ضد أعضاء المكاتب التنفيذية يعد تراجعا تشريعيا فيه مخالفة لمبادئ القانون الرياضي للاتحادات الدولية مؤكدا ان مبدا المواجهة لا يكون إلا امام القضاء.
وفي تدخله اعتبر الأستاذ المنصف بن زايد ان المقترح يؤسس الى تحول عميق في فلسفة التنظيم الرياضي من خلال التنصيص على احداث الشركات التجارية ذات الموضوع الرياضي في محاولة لبناء نموذج توفيقي بين الاستثمار والهوية الرياضية، مؤكدا ان المقترح اختار حلا وسطا بعدم إقرار وجوبية احداث الشركات الرياضية، معتبرا ان نجاح هذه التجربة يعتمد على وضوح المفاهيم ودقة آليات الرقابة مع القدرة على تحقيق توازن فعلي بين سلطة المستثمر والحفاظ على الهوية الرياضية والاجتماعية للنوادي من جهة والمصلحة العامة للرياضة من جهة أخرى. مقدما في هذا السياق عديد المقترحات المتعلقة بإضافة فصول الى مقترح القانون تؤسس الى نظام خاص يراعي خصوصية النشاط الرياضي وضرورة استمراريته، من خلال تعرضه الى عديد النقائص وغياب عديد الاحكام اعتبرها المتدخل حالات فراغ قانوني خطيرة خاصة عدم تحديد مدة الاتفاقية وحالات انتهائها واثار الفسخ وانتهاء العقد وإجراءات التسوية الانتقالية ومآل الحقوق والعقود المبرمة.
وخلال تعرضه الى مبدا استقلالية الهياكل الرياضية وهيئات التحكيم اعتبر ان المقترح أنشأ هيئات مستقلة ذات صلاحيات واسعة لكن تبقى الاستقلالية نظرية إذ لم يخول لها النص اليات تعيين محايدة، بل رجح كفة التعيين الوزاري بما يثير احترازا بشأن التدخل السياسي في الهياكل الرياضية، وبخصوص محكمة النزاعات الرياضية أكد ان صياغة الفصول تحتاج الى ضبط مبادئ الحياد بصفة أدق ويضبط حدود الاختصاص وضمانات الرقابة القضائية الخارجية.
أما الأستاذ طارق منصور فاعتبر ان احداث الشركات ذات الموضوع الرياضي تعتبر حاجة ملحة حتى نمر الى الرياضة المحترفة واقترح فكرة إحداث "بنك استثمار رياضي " لتمويل المشاريع الرياضية وهيكلة ديون الأندية. وأضاف أن من الضروري الأخذ بعين الاعتبار مقترح القانون المتعلق بإحداث صنف مؤسسات عمومية للتصرف في المنشآت الرياضية وصيانتها في دراسة هذه المبادرة نظرا للترابط بين النصين.
وخلال النقاش بين النواب حول ضرورة إرساء توازن بين تشجيع الاستثمار في القطاع الرياضي وبين الحفاظ على هوية الأندية واستقلالية قرارها. وأشاروا إلى أن الاستثناء الوارد بالفصل الثالث عشر طبيعي باعتبار عدم توفر العدد الكافي من الكفاءات القادرة على تمثيل تونس في الهياكل الدولية.
وفي ختام الجلسة، أجمع الخبراء على ضرورة تحقيق توازن دقيق بين الحاجة الملحّة إلى التسريع في إصلاح المنظومة الرياضية الوطنية، وبين أهمية التريّث وتفادي التسرّع عند صياغة القانون الأساسي المتعلق بالهياكل الرياضية، بما يضمن إصدار نص قانوني متماسك وواضح وقابل للتطبيق، ومتوافق في الآن ذاته مع المبادئ والمعايير المعتمدة دوليا والتشريعات الرياضية الدولية