عقدت لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة، بالاشتراك مع لجنة القطاعات الإنتاجية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، جلسة استمعت خلالها إلى السيد الوزير المكلف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة في إطار مناقشة ميزانية مهمة الصناعة والمناجم والطاقة لسنة 2027، وذلك باشراف كلّ من السيد محمد أمين المباركي والسيد أيمن العبيدي رئيسا اللجنتين، وبحضور السيد عدنان العلوش نائب رئيس اللجنة، وأعضاء اللجنة السيدتين والسادة مهى عامر وبثينة الغانمي، وعصام البحري الجابري ومحمد ماجدي وعبد العزيز الشعباني، إضافة إلى عدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
وفي مستهل الجلسة، أكّد رئيس اللجنة أن القطاعات الراجعة بالنظر إلى وزارة الصناعة والمناجم والطاقة تمثّل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، لما تضطلع به من دور في دفع الاستثمار وتحقيق الأمن الطاقي وتثمين الثروات الطبيعية وتعزيز النسيج الصناعي وخلق الثروة ومواطن الشغل.
وأشار إلى أن مناقشة مهمة الصناعة والمناجم والطاقة من مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 تأتي في ظرف اقتصادي تبرز فيه جملة من التحديات، من أبرزها ارتفاع كلفة الطاقة والعجز الطاقي، وضرورة تطوير الإنتاج الوطني من المحروقات والفسفاط، فضلا عن الحاجة إلى إعادة الاعتبار للقطاع الصناعي وتعزيز قدرته التنافسية.
وشدّد على أهمية أن تشكّل هذه الجلسة مناسبة لتقييم السياسات والبرامج المعتمدة، والوقوف على مدى تقدّم تنفيذ المشاريع المبرمجة والصعوبات التي تعترض مختلف القطاعات، إلى جانب استشراف الحلول والإجراءات العملية للفترة المقبلة.
وفي بداية مداخلته تولى الوزير تقديم عرض بيّن من خلاله التوجهات الاستراتيجية للوزارة والمتمثلة في تعزيز الإنتاج الوطني وتثمين الموارد المحلية، ورفع تنافسية المؤسسات الصناعية وتطوير المحتوى التكنولوجي والتحول الرقمي، إلى جانب تدعيم دور المنشآت العمومية في القطاعات ذات الأهمية الاستراتيجية ومتابعة برامج إعادة هيكلتها. وتطوير منظومة الفسفاط والنقل المنجمي وسلاسل التحويل والتثمين، إضافة إلى تسريع الانتقال الطاقي وتحسين النجاعة الطاقية وتوسيع مساهمة الطاقات المتجددة.
وأكّد أن مهمة الصناعة والمناجم والطاقة تهدف إلى دعم القدرة التنافسية للقطاع الصناعي وتحسين مساهمته في التنمية الشاملة والمستدامة والنهوض بالاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، والعمل على تنمية الموارد الوطنية والاستغلال الأمثل للمحروقات والمناجم والنهوض بالطاقات المتجددة وضمان الانتقال الى منوال طاقي منخفض الكربون. كما استعرض الأهداف الاستراتيجية لبرامج الصناعة والمناجم والطاقة ومؤشرات قيس الأداء المتعلقة بها.
وأوضح الوزير أن برنامج الصناعة يهدف إلى تعزيز الإنتاجية، مشيرا إلى أن النسيج الصناعي الوطني يضمّ حاليا 5000 مؤسسة تشغّل أكثر من 10 أشخاص، منها 45% مصدّرة كليا، وتوفّر نحو 523 ألف موطن شغل. كما بلغت نوايا الاستثمار الصناعي المصرّح بها خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، 1509 مشاريع باستثمارات تناهز 1445,3 مليون دينار، من المؤمل أن توفّر 31060 موطن شغل.
وفيما يتعلق بالصادرات الصناعية خلال الفترة نفسها، سجّلت الصناعات الميكانيكية والكهربائية تطورا بنسبة 8,5%، والصناعات الغذائية بنسبة 16,6%، مقابل تراجع صادرات النسيج والملابس بـ4,5%. كما تطوّرت صادرات زيت الزيتون بنسبة 39,5%، لتبلغ الكميات المصدّرة 343,4 ألف طن، منها 52,6 ألف طن معلب، مقابل 244 ألف طن خلال الفترة ذاتها من سنة 2025.
وبخصوص دعم المؤسسات الصناعية وتحديثها، أشار الوزير إلى مواصلة تنفيذ برنامج التأهيل الصناعي لتحديث وسائل الإنتاج وتحسين الجودة والإنتاجية. وتطوير الاستثمار التكنولوجي ذي الأولوية ودعم الانتقال نحو الصناعة الذكية والجيل الرابع، وتوسيع برامج إزالة الكربون، واستكمال تفعيل منصتي e-industrie وHUB 4.0، إلى جانب إعادة هيكلة المؤسسات العمومية الصناعية ذات الأولوية. وقدّرت الاستثمارات المرتبطة بملفات التأهيل والاستثمار التكنولوجي لسنة 2027 بنحو 770 مليون دينار، مقابل 586 مليون دينار سنة 2026.
كما استعرض إنجازات سنة 2026 من حيث تطوير وتحديث منظومة المناطق الصناعية، وتهيئة البنية التحتية الصناعية. وذلك عبر توفير مناطق صناعية بكافة الجهات مع إيلاء الأولوية لمناطق التنمية الجهوية، بما يدعم مناخ الاستثمار ويشجع على المبادرة وإحداث المشاريع الجديدة. وأكّد أنه سيتم خلال سنة 2027 استكمال المشاريع وإعادة إطلاق الأشغال الخاصة بتهيئة هذه المناطق الصناعية. وبخصوص الأقطاب الصناعية والتكنولوجية أفاد بأنها استقطبت إلى موفى سنة 2026 نحو 870 مؤسسة، منها 85 مؤسسة أجنبية، باستثمارات تجاوزت 3000 مليون دينار، وأسهمت في إحداث حوالي 600 مؤسسة ناشئة وتوفير نحو 47 ألف موطن شغل. ويتضمن برنامج سنة 2027 تهيئة عدد من الأقطاب وتوسعة مناطقها الصناعية وإحداث مناطق صناعية إيكولوجية. وقدّرت ميزانية برنامج الصناعة لسنة 2027 بـ167.188 ألف دينار، مقابل 187.092 ألف دينار سنة 2026، بتراجع بنسبة 10,64%..
وبخصوص منظومة الفسفاط، قدّر الوزير الإنتاج التجاري لسنة 2026 بنحو 2,8 مليون طن، مقابل 4,5 مليون طن مبرمجة. ويستهدف مخطط الأعمال للفترة 2027-2035 الترفيع في إنتاج شركة فسفاط قفصة من 4,3 مليون طن سنة 2027 إلى 9,4 مليون طن سنة 2035، وفي قدرات التحويل بالمجمع الكيميائي التونسي من 3,5 إلى 6,5 مليون طن. وتشمل أبرز الإجراءات المبرمجة لسنة 2027 اقتناء 14 آلة شحن وإنجاز 7 آبار تعويضية، إلى جانب التسريع في إنجاز مشروعي أم الخشب 1 والمظيلة 2 وإعادة هيكلة الشركة التونسية لنقل المواد المنجمية.
وفي مجال الطاقة، أشار الوزير إلى بلوغ عجز الميزان الطاقي 4,7 مليون طن مكافئ نفط إلى موفى أوت 2026، بزيادة 12%، مقابل تراجع الاستقلالية الطاقية إلى 32%، مقارنة بـ36% خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، وذلك أساسا نتيجة تراجع إنتاج أهم الحقول وغياب اكتشافات جديدة. ومن المنتظر أن يساهم دخول امتيازات «عرفة» و«عزيزة» و«كسموس» طور الإنتاج في توفير 600 ألف متر مكعب إضافي من الغاز الطبيعي يوميا بداية من جوان 2027.
أما في قطاع الكهرباء، فقد تراوحت ذروة الطلب خلال صائفة 2026 بين 6000 و6400 ميغاواط، مقابل قدرة متاحة في حدود 4450 ميغاواط. وللحد من هذا الفارق، تعمل الوزارة على ترشيد الاستهلاك وتحفيز الصناعيين والتفاوض مع كبار المستهلكين، بما يتيح كسب نحو 300 ميغاواط. كما تشمل إجراءات تعزيز العرض إدماج 300 ميغاواط من الطاقات المتجددة، وتركيز منظومة خزن بالبطاريات بقدرة 300 ميغاواط، وتجهيز التوربينات بأنظمة تبريد لتوفير 150 ميغاواط قبل صائفة 2027 و100 ميغاواط قبل صائفة 2028، إلى جانب اقتناء محركات غازية بقدرة 200 ميغاواط، منها 100 ميغاواط قبل صائفة 2027.
وخلال النقاش، استأثر ملف انقطاع الكهرباء بحيّز هام من تدخلات النواب، الذين تساءلوا عن إمكانية تكرّر الأزمة خلال صائفة 2027 والإجراءات المتخذة لتفاديها، معتبرين أن الازمة كانت متوقعة وسبق التنبيه إليها، ومتسائلين عن أسباب عدم التحرك الاستباقي. وأشاروا إلى توقعات ارتفاع درجات الحرارة خلال الصائفة القادمة وتزايد الطلب على الكهرباء، في حين لن تكون مشاريع اللزمات جاهزة قبل سنة 2028. كما عبّروا عن انشغالهم إزاء الخسائر الاقتصادية وانعكاساتها على السلم الاجتماعي، متسائلين عن سبل التعويض والجهة المسؤولة، وعن وجود خطة بديلة في حال تعثّر البرامج المعلنة. ودعوا إلى مصارحة المواطنين بصعوبة الوضع واعتماد رؤية استشرافية تتجاوز الحلول الظرفية.
وفي تفاعلهم مع الإجراءات المعلنة، لاحظ النواب أن تحفيز الصناعيين على خفض استهلاكهم خلال أوقات الذروة يظل رهين موافقتهم، متسائلين عن الجهة التي ستتحمل كلفة هذه الحوافز. كما أشاروا إلى ارتفاع كلفة البطاريات ومحدودية جدواها في تخفيف الضغط على الشبكة، ودعوا إلى توجيه الإجراءات نحو الشركات الكبرى والنزل وكبار المستهلكين، وإلزام المعامل والمستشفيات باقتناء مولدات كهربائية، مع إعفاء المولدات والألواح الشمسية والبطاريات من المعاليم الديوانية والأداء على القيمة المضافة. وطالبوا بتعميم الطاقة الشمسية على الإدارات والمدارس والمستشفيات والمؤسسات العمومية، واعتماد العدادات الذكية وحملات التوعية لترشيد الاستهلاك.
كما شدّد النواب على ضرورة التعويل على الذات في المجال الطاقي، واعتبار الاستثمارات الأجنبية مكملة للإنتاج الوطني، داعين إلى إنجاز المشاريع عبر الشركة التونسية للكهرباء والغاز، ونقل الخبرات إلى الكفاءات التونسية في مشاريع الطاقة الفولطاضوئية، وتشجيع صناعة الألواح الشمسية وتركيبها محليا.
ولاحظوا ارتفاع ميزانية المهمة مقابل تراجع اعتمادات الصناعة وتدخلات التنمية الطاقية، بالتوازي مع ارتفاع دعم الطاقة، داعين إلى ترشيده وتوجيهه إلى مستحقيه. كما تساءلوا عن نتائج القروض و القوانين المتعلقة بلزمات إنتاج الكهرباء، وعن آجال إعداد مجلة المحروقات الجديدة.
وبخصوص قطاع الفسفاط، تساءل النواب عن مخطط إعادة هيكلته وتطوير سلسلة الإنتاج، ومدى جدية تمويل مغاسل الفسفاط، ومآل اتفاقية القرض المتعلقة بتجديد السكة الحديدية ومشروع فسفاط سراورتان. كما استفسروا عن تنفيذ التعهدات المتعلقة بالتأهيل البيئي للمجمع الكيميائي التونسي والوضع البيئي بقابس، معتبرين أن وضعية المجمع لا تسمح بمضاعفة الإنتاج، إلى جانب التساؤل عن الآثار البيئية لعمليات التنقيب قرب المناطق الفلاحية
أما في المجال الصناعي، فقد تساءل النواب عن ملامح السياسة الصناعية الجديدة والمشاريع الكفيلة بخلق الثروة، داعين إلى مراجعة المنوال الاقتصادي وحماية الصناعة الوطنية وتفضيل المنتوج المحلي، ووضع قيود على توريد السلع التي لها نظير منتج محليا، ودعم المصنّع التونسي وتعزيز قدرته على التصدير، مع تحسين التنسيق بين هياكل الدولة. كما استفسروا عن الوضعية المالية للمنشآت العمومية التابعة للوزارة ومدى خضوعها للتدقيق.
وحظيت المناطق الصناعية والعدالة بين الجهات باهتمام النواب، الذين أشاروا إلى وجود مناطق معطّلة أو مهجورة ومشاريع متعثرة وفرص استثمار غير مستغلة، داعين إلى توزيع عادل للاستثمارات الصناعية بين الجهات والأقاليم.
وفي ردّه على تساؤلات النواب ومقترحاتهم، أكد الوزير وضوح توجهات الدولة للنهوض بقطاعي الفسفاط والطاقة، معتبرا أن أزمة الصيف كانت واقعا مفروضا وجب التعامل معه، ومقرا بتأخر بعض الإجراءات وعدم تحقيق الأهداف بالشكل المطلوب.
وبخصوص قطاع الصناعة، أوضح الوزير أن الاستثمار الصناعي هو بالأساس استثمار خاص، وأن دور الوزارة يتمثل في مساندة المستثمرين وتيسير الإجراءات. وأشار إلى تراجع الصناعات الثقيلة لفائدة التكنولوجيات الحديثة، والعمل على تطوير سلاسل القيمة ذات التأطير العالي والقيمة المضافة المرتفعة، مبيّنا أن الاستثمارات المبرمجة في النسيج الصناعي تناهز 770 مليون دينار، وأن عددا من الولايات الداخلية سيشهد استثمارات هامة.
وفيما يتعلق بقطاع الفسفاط، أكد الوزير تراكم الإشكاليات والحاجة إلى حل شامل، موضحا محدودية طاقة التجهيزات الحالية وارتفاع كلفة صيانتها. وأشار إلى وضع خطتين بديلتين تقومان على تجديد المعدات واستكمال مشروع المظيلة 2، مبرزا أن الاستثمارات المطلوبة تستوجب الاقتراض، في حين لا تسمح الوضعية المالية للشركة بذلك، داعيا إلى التصفية الرضائية للعقود المتوقفة والبناء عليها.
وبخصوص المجمع الكيميائي التونسي، أوضح الوزير أن المنحة المرصودة بمشروع الميزانية، والبالغة 500 مليون دينار، تندرج في إطار دعم القطاع الفلاحي، باعتبار تكبّد المجمع خسائر تقارب 700 مليون دينار نتيجة بيع الأسمدة في السوق المحلية. كما أشار إلى معاينة خبراء تجهيزات متوقفة منذ 15 سنة، رغم أهمية موارد القطاع من العملة الصعبة. وبيّن أن تثمين الفسفاط يتيح قيمة أعلى، إذ يبلغ سعر الطن الخام نحو 100 دولار مقابل 935 دولارا بعد تثمينه، مؤكدا ضرورة الجمع بين التوجهين في المرحلة الحالية.
أما في قطاع الطاقة، فأفاد الوزير بأن مشاريع اللزمات المصادق عليها ستكون جاهزة سنة 2028، مع توفير جزء من إنتاجها بداية من سنة 2027 وأكد أن بلوغ نسبة 35% من الطاقات المتجددة في أفق 2030 يمرّ كذلك عبر نظام التراخيص، من خلال مرافقة المستثمرين وتذليل الصعوبات الإدارية، وسحب التراخيص ممن يتخلى عن إنجاز مشاريعه
وأضاف أنه تم، في إطار الجولة السادسة، قبول 309 مطالب بطاقة جملية تناهز 455 ميغاواط، مع إمكانية انخراط المستثمرين لاحقا في نظام اللزمات، معتبرا أن نظام التراخيص أصبح يضم نسيجا هاما من المستثمرين.
وأشار الوزير إلى التراجع المتواصل في إنتاج المحروقات، مؤكدا تواصل عمليات البحث لتعزيز الإنتاج الوطني واكتشاف مخزونات جديدة من الغاز. كما بيّن أن مشروع مجلة المحروقات الجديدة سيساهم في دعم الاستثمار في القطاع مع ضمان مصلحة الدولة وحقوقها.
وفي الختام، أكد الوزير وجود خطة متكاملة للنهوض بالقطاعات الثلاثة الراجعة بالنظر إلى الوزارة