عقدت لجنة المالية والميزانية يوم الاثنين 29 جوان 2026، جلسة تمهيدية للنظر في المجالات ذات الصلة باختصاصاتها ضمن مناقشة مشروع مخطط التنمية ولضبط منهجية دراسة المشروع وتحديد المحاور المالية والاقتصادية والتشريعية، برئاسة السيد ظافر الصغيري، نائب رئيس اللجنة، وحضور كل من السيدات والسادة آمال المؤدب و عصام شوشان ومسعود قريرة ومحمد أمين الورغي ومحمد زياد الماهر وعلي زغدود ومصطفى البوبكري، إضافة إلى عدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
واستهل نائب رئيس اللجنة أشغال الجلسة بالتأكيد على أن مشروع مخطط التنمية يمثل محطة مفصلية في مسار التخطيط الوطني، باعتباره الإطار الجامع للخيارات الكبرى للدولة، وهو ما يقتضي من مجلس نواب الشعب، في إطار صلاحياته الدستورية، ممارسة دوره التشريعي والرقابي بكامل المسؤولية، من خلال تقييم مدى واقعية التوجهات المقترحة وقابليتها للتنفيذ، ومدى انسجامها مع الإمكانيات المالية للدولة ومع متطلبات التنمية الشاملة والعادلة.
وأكد أن إعداد أي مخطط تنموي ناجع يقتضي الانطلاق من تقييم موضوعي لحصيلة المخطط السابق، والوقوف على أسباب تعثر إنجاز العديد من المشاريع، وضعف نسب تنفيذ الاستثمار العمومي، واستخلاص الدروس الكفيلة بتجاوز الإخلالات التي حالت دون تحقيق الأهداف المرسومة، حتى يكون المخطط الجديد قائمًا على قراءة واقعية للتحديات وليس على مجرد تقديرات أو توجهات عامة.
كما أبرز أن اللجنة ستولي أهمية خاصة لدراسة الفرضيات الاقتصادية والمالية التي تأسس عليها المشروع، ومدى واقعيتها في ظل ما تشهده المالية العمومية من تحديات مرتبطة بارتفاع كلفة خدمة الدين، ومحدودية الموارد الذاتية، وصعوبات تعبئة التمويلات، فضلاً عن الإشكاليات المتعلقة بتأخر صرف الاعتمادات وخلاص مستحقات المؤسسات المنجزة للمشاريع العمومية، وما ترتب عن ذلك من تعطيل للاستثمار وإرباك لدورة الاقتصاد.
وشدد على أن نجاح مخطط التنمية يبقى رهين توفر رؤية وطنية متكاملة تجعل من خصوصيات الجهات وإمكاناتها التنموية رافعة لتحقيق التنمية، في إطار مقاربة منسجمة تربط بين المشاريع المحلية والجهوية والوطنية، بما ينسجم مع المبادئ التي يقوم عليها الأمر المنظم لإعداد مخططات التنمية، ويضمن توجيه الاستثمار العمومي وفق أولويات وطنية واضحة، تحقق التكامل بين الأقاليم، وتعزز العدالة المجالية، وتضمن حسن استغلال الموارد المتاحة.
وأضاف أن بلوغ الأهداف المرسومة يقتضي كذلك استكمال الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية الضرورية، ومراجعة عدد من النصوص القانونية ذات الصلة بالاستثمار والمالية والصرف، ومعالجة الإشكاليات العقارية والإجرائية، وضمان الانسجام الكامل بين القوانين التي يصادق عليها مجلس نواب الشعب والنصوص الترتيبية الصادرة لتطبيقها، بما يكفل حسن تنفيذ التشريعات وتحقيق الغاية التي شرعت من أجلها.
كما أكد أن اللجنة ستعتمد في أعمالها منهجية تقوم على التحليل الموضوعي والتقييم العلمي والاستناد إلى مؤشرات كمية قابلة للقياس، بما يضمن أن يكون التقرير النهائي وثيقة رقابية تتضمن توصيات عملية واضحة ومحددة بآجال للتنفيذ، وآليات دقيقة لمتابعة مدى الالتزام بتنفيذها.
كما تناول النقاش مختلف الأبعاد الاقتصادية والمالية والتشريعية والمؤسساتية لمشروع مخطط التنمية، حيث أكد المتدخلون أن أهمية هذه الوثيقة لا تنبع فقط من كونها برنامج عمل حكومي يمتد على خمس سنوات، وإنما من اعتبارها المرجع الأساسي الذي يحدد الخيارات الاستراتيجية للدولة، ويوجه السياسات العمومية، ويؤسس لأولويات الاستثمار والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي خلال المرحلة المقبلة.
وأكد النواب أن نجاح المخطط يظل رهين اعتماده على تشخيص موضوعي ودقيق للواقع الاقتصادي والمالي، يستند إلى تقييم حصيلة المخطط السابق، والوقوف عند أسباب تعثر تنفيذ عدد هام من المشاريع العمومية، وضعف نسب إنجاز الاستثمار، والاختلالات التي شابت الحوكمة والتصرف في الموارد العمومية، معتبرين أن أي رؤية مستقبلية لا يمكن أن تحقق أهدافها ما لم تُبن على قراءة نقدية للتجارب السابقة .
كما أثار النواب مسألة واقعية الفرضيات التي تأسس عليها المشروع، متسائلين عن مدى قابلية مؤشرات النمو والاستثمار والتشغيل والتوازنات المالية للتحقق في ظل الضغوط التي تواجهها المالية العمومية، وارتفاع كلفة خدمة الدين، وتنامي حاجيات التمويل، إلى جانب الصعوبات التي تعترض إنجاز المشاريع العمومية، وخاصة ما يتعلق بتأخر خلاص مستحقات المقاولات والمؤسسات المنجزة، وما نتج عن ذلك من تعطيل للاستثمار وإرباك للنسيج الاقتصادي.
كما أكد النواب أن نجاح مخطط التنمية لا ينفصل عن استكمال الإصلاحات الكبرى، ولا سيما مراجعة المنظومة القانونية المنظمة للاستثمار، ومجلة الصرف، والتشريعات ذات العلاقة بالتنمية المحلية والجهوية، مع ضمان الانسجام الكامل بين النصوص القانونية والنصوص الترتيبية، حتى لا تتحول الإجراءات التطبيقية إلى عائق أمام تنفيذ القوانين وإفراغها من محتواها.
وتطرّق النواب إلى مضمون المشاريع المدرجة بالمخطط، معتبرين أن العديد منها يغلب عليها الطابع المحلي ، دون أن يندرج ضمن رؤية وطنية متكاملة قادرة على تحقيق التحول الهيكلي للاقتصاد الوطني. وأكدوا أن الأمر المنظم لإعداد مخططات التنمية يقوم على مبدأ البناء التصاعدي للمشاريع انطلاقًا من خصوصيات الجهات وحاجياتها، على أن يتم إدماجها ضمن رؤية وطنية موحدة تحقق التكامل بين مختلف مستويات التخطيط، وتربط بين المشاريع المحلية والجهوية والوطنية، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الجهات وحسن توظيف الموارد العمومية.
واعتبر النواب أن خصوصية كل جهة ينبغي أن تمثل عنصر قوة في إعداد المخطط، من خلال تثمين مواردها الطبيعية والبشرية ومزاياها التنافسية، وليس مجرد معيار لتوزيع المشاريع، مؤكدين أن التنمية الجهوية لا تتحقق بتجميع مشاريع متفرقة، وإنما بإرساء منظومات اقتصادية متكاملة تخلق القيمة المضافة وتدعم الاستثمار والتشغيل وتحقق الاندماج الاقتصادي بين مختلف الجهات.
وأكد المتدخلون كذلك أن الوثيقة، في صيغتها الحالية، تحتاج إلى مزيد من التدقيق في تحديد الأولويات الوطنية، وترتيب المشاريع وفق مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية، وإسنادها بمؤشرات أداء دقيقة وآليات واضحة للمتابعة والتقييم، حتى يتحول المخطط إلى وثيقة مرجعية قابلة للإنجاز والقياس والمتابعة، لا إلى مجرد إعلان عن توجهات عامة أو قائمة بالمشاريع المقترحة.
وفي ختام النقاش، أجمع النواب على ضرورة أن يتضمن التقرير الذي ستعده اللجنة توصيات عملية دقيقة ومحددة بآجال تنفيذ، ومصحوبة بمؤشرات للإنجاز، مع اعتماد جدول للمتابعة الرقابية يمكّن مجلس نواب الشعب من متابعة مدى التزام الحكومة بتنفيذ البرامج والإصلاحات المضمنة بمخطط التنمية، بما يعزز الدور الرقابي للمجلس ويكرس مبادئ الحوكمة والشفافية وحسن التصرف في المال العام.