نظّمت الأكاديمية البرلمانية لمجلس نواب الشعب اليوم الأربعاء 15 أفريل 2026 يوما دراسيا حول مقترح القانون الأساسي المتعلق بتنظيم الجمعيات، أشرف عليه العميد إبراهيم بودربالة رئيس مجلس نواب الشعب، بحضور السيدة سوسن المبروك نائب رئيس المجلس، والسيد ثابت العابد رئيس لجنة الحقوق والحريات، والسيدة فاطمة المسدي ممثلة جهة المبادرة، الى جانب عدد من الخبراء والاطارات السامية من رئاسة الحكومة، ووزارات العدل، والداخلية، والخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، والمالية، والبنك المركزي التونسي، ومحكمة المحاسبات، والمجلس البنكي والمالي، وممثلي أصحاب المبادرة من المجتمع المدني، وعدد هام النواب.
وأكّد رئيس مجلس نواب الشعب في مفتتح اليوم الدراسي ما اثاره موضوع الجمعيات من نقاش مجتمعي منذ إحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة وصدور المرسوم عدد 88 لسنة 2011. وأشار إلى أنّ مجلس نواب الشعب يتناول اليوم بالنظر موضوع الجمعيات وخاصة مسألة تمويلها ومدى رقابة هذه التمويلات ، إضافة الى مدى تعرّف المجتمع على أنشطة هذه الجمعيات في ضوء الدور الأساسي الذي تضطلع به في التأطير . كما ابرز أهمية عدم الانحراف عن هذا الهدف خاصة أمام ما حدث في السنوات الفارطة من انحرافات دعت إلى ضرورة التعريف بأهداف الجمعيات وأدوارها في المجتمع.
وبيّن ان مجلس نواب الشعب مازال ينتظر القانون المنظّم للجمعيات المزمع عرضه من قبل الحكومة، مشيرا الى أنّ مقترح القانون المعروض على لجنة الحقوق والحريات منذ سنتين لم يقع بعد الحسم فيه، بما دعا مكتب المجلس الي تنظيم هذا اليوم الدراسي وفق مقتضيات النظام الداخلي وبناء على طلب جهة المبادرة.
واعتبر ان الحضور الهام من إطارات الوزارات والمؤسسات في هذا اليوم الدراسي من شأنه ان يثري النقاش ويعطي فكرة واضحة تنير السبيل للتصويت مذكّرا بمدى الزامية القوانين للدولة. وأكّد العلاقة الوثيقة لقانون الجمعيات بهذه المسائل، مشيرا في نفس السياق إلى أهمية الدّراية التامة بموضوع تنظيم الجمعيات مع الحرص على دعم المكتسبات الحاصلة بعد 14 جانفي في خصوص حرية الاعلام والصحافة والعمل الجمعياتي وفق رؤية جماعية في احترام النظام العام السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد .
ثم تناول الكلمة السيد ثابت العابد رئيس لجنة الحقوق والحريات، وابرز أهمية التداول حول موضوع تنظيم الجمعيات الذي يلامس في جوهره طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع وحدود الحريات، وأدوار الفاعلين في الفضاء العام. وتقدّم بملاحظات منهجية بخصوص هذا اليوم الدراسي، معتبرا أنّ مسألة تنظيم الجمعيات لا تختزل في البعد المالي والرقابي بل ترتبط كذلك بحرية التنظّم ودور المجتمع المدني في المشاركة في الحياة العامة، ومكانته داخل المنظومة الديمقراطية. وذكّر بأنّ تطوّر الفكر السياسي المعاصر لم يكن وليد الصدفة بل جاء نتيجة مراجعات عميقة لنماذج الحكم خاصة في ظلّ ما عرفته الديمقراطية التمثيلية من حدود، مبرزا ما افرزته هذه المراجعات من مقاربات جديدة من قبيل الديمقراطية التشاركية التي تلتقي حول ضرورة وجود قوى موازنة على رأسها مجتمع مدني حر ومستقل.
وأبرز الدور التاريخي للمجتمع المدني في تونس لاسيما في الدفاع عن الحريات والإسهام في إنجاح المسار الديمقراطي، مؤكّدا أنّ النقاش حول التنظيم الجمعياتي يجب أن يتم في إطار تشاركي، ومشيرا في ذات الإطار إلى حرص لجنة الحقوق والحريات على ضمان جودة النّصوص التشريعية عبر الاستماع الى مختلف الأطراف والانفتاح على مكوّنات المجتمع المدني والخبراء في القانون. وأبرز في نهاية كلمته مسؤولية حماية التوازنات التي يقوم عليها نظامنا الديمقراطي وضمان بقاء المجتمع المدني فضاء حرا ومساهما في البناء يمارس دوره في النقد والمساءلة.
من جهتها أكّدت السيدة فاطمة المسدي ممثلة جهة المبادرة الحرص على تمرير مقترح هذا القانون الهام على الجلسة العامة لاسيما بعد مضيي ثلاث سنوات على ايداعه. وأشارت الى ما شهده مساره من تعطيلات دعت جهة المبادرة الى الحث على تفعيل المسار التشريعي لهذه المبادرة. واعتبرت ان مقترح القانون يهدف الى تنظيم العمل الجمعياتي والمجتمع المدني لاسيما بعد صدور المرسوم عدد 88 لسنة 2011 وما تضمّنه من ثغرات وما رافقه من تكاثر جمعياتي مع وجود جمعيات ارتبطت بها عدة خروقات ومنها تمويل الإرهاب. وأكّدت أنّ المسألة ترتبط بعد مسار 25 جويلية في التصدّي الى الفوضى والحاجة الى تنظيم المجتمع المدني. وبيّنت أنّ مقترح القانون لم يمس الحقوق بل هي مضبوطة في باب كامل ووقع تطويرها، مع الاهتمام بالمسألة المالية باقتراح مراقبة سابقة ولاحقة للتمويل الأجنبي ومعرفة مصادره وذلك عبر ادراج باب في مقترح القانون يسند لرئاسة الحكومة الآليات اللازمة لمراقبة التمويلات.
كما تطرقت الى مسألة تصنيف الجمعيات من أجل أن يكون دورها منظّما حسب القطاعات بما يضبط نوعية النشاط ويعطي الالية لمراقبة كل نشاط غير قانوني.
وأشارت الى ما تم إدخاله من تنقيحات واضافات في مجالي التمويل والتصنيف، مؤكّدة الحفاظ على ما تم اكتسابه بعد الثورة من حريات وحقوق، مع التّشديد على أهمية الرقابة المالية لمنع الفوضى ووضع حدّ لما حدث من تجاوزات. وابرزت انفتاح جهة المبادرة على كل الملاحظات والإضافات الهادفة الى إثراء هذه المبادرة التشريعية.
وقدّم السيد مراد قسومة وكيل الدولة بمحكمة المحاسبات عرضا بيّن فيه اهم النقاط التي وجب توضيحها بخصوص مقترح القانون الأساسي حول "تنظيم الجمعيات" من ذلك تفسير الفرق بين تأشيرة النظم الأساسية الخاصة بالجمعيات الأجنبية و الرخصة المؤقتة، مع وجوب تحديد الجهة المكلفة باتخاذ القرار، فضلا عن ضرورة الانتباه الى أحكام الفصل 21 من مقترح القانون الذي أخضع الجمعيات الأجنبية لأحكام هذا القانون في ما عدا الاحكام الواردة بالباب الثالث. وأكد أهمية التدقيق في بعض الأحكام التي لا يمكن ان تشمل الجمعيات الأجنبية مثل الفصل 24 الذي ينص على التمويل العمومي.
كما اقترح تعريفا اوضحا لمفهوم المنفعة المنشئة لحالة تضارب المصالح مع بيان ما إذا كانت مادية او معنوية مباشرة او غير مباشرة و ما اذا كانت تخص العضو أو المسير او تمتد الى الأشخاص المرتبطين به بعلاقات قرابة أو مصلحة.
وأوضح في سياق آخر أن المقترح يكرس توجها إيجابيا نحو تعزيز الشفافية المحاسبية داخل الجمعيات من خلال تدعيم واجبات مسك الحسابات و التثبت منها و نشر القوائم المالية. وأبرز أهمية الحفاظ على هذا التوجه لما يوفره من ضمانات لحسن التصرف في الموارد ومتابعة استعمالها.
وأوصى باعتماد معيار محاسبي صادر عن وزير المالية بما يراعي الخاصيات الفنية للمعلومة المالية و الحفاظ على وحدة الجهة الواضعة للمعايير المحاسبية في اطار الشفافية المالية. وأشار الى إيجابية استحداث إجراءات مبسطة تضبط بمنشور او قرار صادر عن الكاتب العام للحكومة بعد اخذ راي الوزير المكلف بالمالية لفائدة الجمعيات التي لا تتجاوز مداخيلها مائة الف دينار، بما يستجيب لحجم تمويل وعمل كل جمعية.
وتطرّق وكيل الدولة بمحكمة المحاسبات الى موضوع التمويل الأجنبي في علاقة بالمشاركة في برامج التعاون الدولي، موضحا أن اشتراط الموافقة الكتابية على كل تمويل اجنبي لا يقتصر اثره على مرحلة تلقي الأموال بل ينعكس أيضا على قدرة الجمعيات على المشاركة في طلبات العروض و المشاريع التي يطلقها مانحون دوليون او أجانب. وبيّن ان هذه المشاريع تستوجب عادة سرعة في التفاعل و وضوحا في الاطار القانوني وتتم في اطار دولي شفاف، مضيفا أنه من شأن تعليق المشاركة او القبول النهائي على ترخيص اداري مسبق ان يخلق حالة من عدم اليقين القانوني و ان يضعف تنافسية الجمعيات التونسية وقد يفضي الى اقصائها عمليا من بعض برامج التعاون الدولي.
وبالنسبة لقبول الهبات او التمويلات اكد ان اجل الشهرين قد يكون طويلا نوعا ما لإكراهات اما لوجيستية او مادية على مستوى المانحين. واقترح في هذا الصدد ان تكون لرئاسة الحكومة سلطة تقديرية في اصدار قائمة سنوية للجمعيات المعفاة من هذا الترخيص على ان تبقى هذه الأخيرة خاضعة لمتطلبات الإفصاح و النشر.
كما اقترح الزام الجمعيات بالقيام بإشعارات حينية للتحويلات الكبرى مع تحديد سقفها وإمكانية تغيير وتيرتها من قبل رئاسة الحكومة خاصة في الفترات الانتخابية.
ودعا الى إعادة النظر في نظام العقوبات لإضفاء اكثر نجاعة و فاعلية وضرورة تحديد واضح لمسؤولية الاخلال والعقوبات المستوجبة.
من جانبه بين السيد الطيب بن سالم عضو المجلس البنكي و المالي ان التحليل المقارن بين المرسوم 88 لسنة 2011 و مشروع القانون الجديد يبرز تحولا نوعيا في المقاربة المعتمدة يتمثل أساسا في الانتقال من نظام يقوم على التصريح الى نظام اكثر تأطيرا وخضوعا للإشراف والرقابة، الى جانب إرساء اليات معززة للرقابة الإدارية والمالية والمصرفية. كما أشار الى التنصيص الصريح على مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب وادراجها ضمن مجالات العناية التشريعية، مقرا بوجود بعض النقائص الهيكلية التي من شانها ان تحد من نجاعة المنظومة ومدى توافقها مع المعايير الوطنية والدولية.
وأوضح أنّ النسخة الحالية من مقترح القانون أخذت ببعض المقترحات المثارة حول نسخته الأولى لكنها تخلو من بعض النقائص الجوهرية التي يتعين ادراجها وخاصة في ما يتعلق بتنظيم العلاقة بين الجمعيات والمؤسسات المصرفية وما يتطلّبه ذلك من ضرورة ضبط دقيق للاطار القانوني لفتح الحسابات البنكية، اضافة الى شروط منح القروض والضمانات وتحديد التزامات البنوك بدقة ومسؤوليتها تجاه الحريف وسلطة الاشراف.
كما دعا ممثل المجلس البنكي و المالي الى مزيد تنسيق الإجراءات و الآجال تفاديا لنشوء وضعيات قانونية معقدة لا سيما في ظل إمكانية ابطال الإعلان عن تكوين الجمعية كما نص عليه الفصل 9 من مقترح القانون. ودعا الى ضرورة توضيح الوضعية القانونية للحسابات البنكية في حالات تعليق الشخصية القانونية مع وجوب اعلام البنوك فوريا باي قرار يتعلق بالتعليق او الحل او تجميد الأموال من قبل السلط المختصة.
كما شدّد على غياب التناغم مع احكام القانون عدد52 لسنة 2018 المتعلق بالسجل الوطني للمؤسسات حيث ابرز غياب ترابط واضح بين إجراءات التكوين و مقتضيات التسجيل بالسجل الوطني للمؤسسات و ما يترتب عن ذلك من انعكاسات على مكوّنات الملف القانوني للجمعية عند فتح الحساب البنكي وعلى تحديد مسؤولية البنك في هذا الاطار.
واوضح ان النقطة المتعلقة بالتنصيص على منصة رقمية خاصة بالجمعيات قد تثير عددا من الإشكاليات حيث ان المقترح لم يحدد بدقة اليات التعامل عبرها من قبل الجمعيات او العموم رغم الإشارة الى ما ستتضمنه من وثائق وملفات و ضرورة تحيينها، مشيرا الى انه لم يتم توضيح علاقتها بالسجل الوطني للمؤسسات او الإحالة الى نص ترتيبي لاحق يضبط وظائفها وطرق عملها.
ودعا في ختام تدخّله الى مراجعة التوجّه المتعلق بالعقوبات ذات الطابع الجزائي الموجهة للمهنيين في القطاع المصرفي وتعويضها بعقوبات تتناسب مع طبيعة الأخطاء المهنية بما يضمن التوازن بين متطلبات الرقابة وحماية الفاعلين الماليين من التوسع غير المبرر في المسؤولية الجزائية.
من جهته أوضح السيد المنجي مقنى ممثل المجتمع المدني ان هذه المبادرة التشريعية لا تقترح التراجع عن الحقوق و الحريات بل تسعى لإحكام التنظّم خاصة في ما يتعلق بتمويل الجمعيات، مؤكدا حصول نقاشات هامة لعديد الأطراف حول هذا المسار، وداعيا الى مواصلة الاستماع لكل الجهات من اجل سن قانون يكون افضل من المرسوم 88 و القوانين التي سبقته.
وخلال النقاش العام اجمع الحاضرون على ضرورة تفادي كل أشكال التضييق، سواء عبر الرقابة القبلية أو التعقيدات الإجرائية، بما يحفظ حيوية النسيج الجمعياتي ودوره في دعم العمل العمومي، موضحين ان هذا المقترح لا يمكن ان يكون وسيلة لمنع الجمعيات او العمل الجمعياتي بل أداة لإحكام تنظيمه بسبب وجود ثغرات في المرسوم عدد 88 فتحت باب تدفق التمويل الأجنبي المشبوه.
كما شدد المتدخلون على ضرورة الاخذ بعين الاعتبار بكل الملاحظات من قبل الجهات المتداخلة من اجل تحسين جوهر المقترح وتكريس مقاربة تقوم على حماية الحقوق والحريات من جهة، والتحلي بالشفافية والمسؤولية من جهة أخرى. وذكّروا بدور الجمعيات كشريك أساسي للدولة في التنمية المحلية وتعزيز الحقوق والحريات وهو ما يقتضي مقاربة تشريعية متوازنة.
وفي تفاعلها، قدمت جهة المبادرة بعض التوضيحات العامة، مؤكّدة الاستعداد لمواصلة النقاش وتلقّي المقترحات والتفاعل معها