عقدت لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة يوم الاربعاء 08 أفريل 2026 جلسة انضمت إليها لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية في إطار إبداء الرأي، للاستماع إلى وزير البيئة وإلى الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز حول آلية تبادل أرصدة الكربون، وذلك في إطار دراستها لخمسة مشاريع قوانين تتعلق بالموافقة على اتفاقيات لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة.
وترأس الجلسة السيد محمد أمين المباركي، وحضرها السيد عدنان العلوش نائب الرئيس والسيد محمد علي فنيرة مقرر اللجنة، والسيدة نور الهدى السبائطي والسيدين محمد ماجدي وعصام البحري جابري عضوي اللجنة إضافة إلى عدد من النواب من غير أعضاء اللجنة.
وأوضح وزير البيئة أن تونس صادقت على اتفاق باريس للمناخ منذ سنة 2016 والذي يوفّر الإطار القانوني الدولي للاستجابة الجماعية لتغيّر المناخ، ويقوم على مبدأ المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة، مع احترام الخصوصيات الوطنية والأولويات التنموية لكل دولة. وأكّد أن تونس وضعت أهدافا طموحة لخفض الانبعاثات، خصوصا في قطاع الطاقة والكهرباء، الأكثر إسهاما في الانبعاثات الوطنية. وأعدّت في هذا السياق استراتيجيتها حول التغيّرات المناخية في عدة مجالات منها مجال الطاقة، ومجال الصناعة، ومجال الفلاحة والغابات، ومجال التصرف في النفايات.
وأكّد أن الأهداف المرسومة في استراتيجية تونس حول التغيّرات المناخية في أفق سنة 2050 في مجال الطاقة تتمثل في تقليص 50% من الاستهلاك الأولي للطاقة، وبلوغ نسبة 43% من نسبة كهربة الاستعمالات بما في ذلك السيارات الكهربائية، وبلوغ نسبة 80% من نسبة الطاقات المتجددة لإنتاج الكهرباء.
وأوضح الوزير أن آلية تبادل أرصدة الكربون هي موضوع الفصل السادس من اتفاق باريس حول المناخ أو ما يُعرف بأسواق الكربون وأهميتها الاستراتيجية في إعانة البلدان على الإيفاء بتعهداتها في مجال التغيرات المناخية. وتقوم على اتفاق بين دولتين أو أكثر لتنفيذ مشاريع أو برامج تقلل الانبعاثات في إحدى الدول. ويتم الاتفاق على تقاسم الأرصدة الكربونية بطريقة شفافة وقابلة للتحقق مع احترام المساهمات المحددة وطنيا لكل دولة.
وتطرّق إلى أهمية أرصدة الكربون بالنسبة إلى بلادنا من ذلك تبادل المعرفة وبناء قدرات والمساعدة على تنفيذ سياسات مناخية فعالة ومستدامة، إلى جانب تسريع مشاريع الطاقات المتجددة وتحسين الكفاءة الطاقية، ودعم مشاركة القطاع الخاص وخلق فرص شغل خضراء، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتحسين موقع تونس ضمن الأسواق الكربونية الدولية.
وأكّد ضرورة حسن استغلال آلية تبادل أرصدة الكربون على اعتبار أنها آلية ظرفية بالنظر إلى إمكانية تحقيق عديد البلدان المصنعة للحياد الكربوني في الأعوام القليلة القادمة وإمكانية إنهائها للتعامل بهذه الآلية. مشيرا إلى حاجة بلادنا للطاقة نظرا لإنتاجها نسبة 35% من احتياجاتنا من مواردنا الذاتية.
وفي حديثه عن إبرام الاتفاقيات الثنائية في مجال التغيرات المناخية، أوضح أن تونس أبرمت اتفاقية مع اليابان سنة 2022 في إطار تفعيل الفصل السادس من اتفاق باريس، وتهدف إلى إرساء آلية الائتمان المشترك (JCM) كأداة عملية لتعزيز التعاون الثنائي في مجال العمل المناخي، وأن الأرصدة الكربونية المنتجة وفق هذه الآلية يتم تقاسمها بين الطرفين حيث تحتفظ تونس بجزء هام منها لدعم أهدافها المناخية أو لتعبئة موارد إضافية عبر التمويل المناخي، بينما تستفيد اليابان من الجزء المقابل لمساهمتها في التمويل ونقل التكنولوجيا. وأكّد أن هذه الآلية ليست تفويتا أو بيعا لأرصدة تونس بل شراكة تضمن منفعة مزدوجة من خلال مشاريع حديثة بكلفة أقل والاستفادة من الأرصدة الناتجة. كما يُعتمد نظام التعديلات المقابلة وفق الفصل السادس من اتفاق باريس لضمان عدم احتساب التخفيضات مرتين، ما يعزز مصداقية الآلية دوليا.
وأكّد في هذا الإطار أن تونس أمضت اتفاقية تعاون مع سويسرا في مجال الحد من التغيرات المناخية في ديسمبر 2023 وتمت المصادقة عليها بمقتضى الأمر عدد 206 لسنة 2024، وأنه حتى الآن، لم يبدأ أي مشروع فعلي مع الجانب السويسري ولم يتم تبادل أرصدة كربون مع الجانبين الياباني والسويسري.
وأشار بخصوص مشاريع اللزمات المعروضة على اللجنة إلى أنه لا يمكن إنجاز هذه المشاريع في حالة عدم وجود آلية تقاسم أرصدة الكربون نظرا لعدم مردودية المشروع. إلى جانب أنه في حالة إنتاج أرصدة الكربون من طرف المستثمرين الخواص التونسيين أو من قبل الشركة التونسية للكهرباء والغاز لا يمكن بيعها نظرا لعدم استقرار سوق الكربون في العالم.
ومن جانبهم أكّد النواب أهمية الاستماع إلى توضيحات وزارة البيئة بخصوص هذه المشاريع وبيان رؤيتها حول انعكاساتها الفنية والاقتصادية والبيئية ومدى انسجامها مع التوجهات الوطنية في مجال التنمية المستدامة، وتصوّرها للإطار القانوني والتنظيمي الكفيل بتفعيل آلية أرصدة الكربون في بلادنا. وذلك لما تكتسيه هذه المشاريع من تأثير مباشر على مستقبل قطاع الطاقة وعلى التزامات الدولة في مجال الانتقال الطاقي ودعم الاستثمار بموارد مالية في حدود 1640 مليون دينار وتعزيز السيادة الوطنية على الموارد والثروات الطبيعية للبلاد مع ضمان احترام المعايير البيئية والمحافظة على حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة.
واستوضحوا في هذا السياق حول آلية أرصدة الكربون باعتباره من الملفات البيئية والاقتصادية المستجدة والتي تفرض نفسها بقوة على الساحة الوطنية والدولية في ظلّ التحوّلات العالمية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والالتزامات المناخية، وما يوفّره هذا التوجّه من فرص لدعم الانتقال البيئي وتعبئة موارد إضافية لفائدة الاقتصاد الوطني.
وأشار بعض النواب إلى ضرورة تثمين نبتة البوسيدونيا الموجودة بالبحر الأبيض المتوسط والتي تملك تونس نسبة 70% منها، وذلك دعما لتنافسية تونس في الأسواق الكربونية. وتساءلوا عن عدم إحالة الاتفاقيات المتعلقة باقتسام أرصدة الكربون على مجلس نواب الشعب على اعتبار أنه ثروة طبيعية. وتساءلوا عن الصيغة القانونية التي تم بموجبها تمتيع المستثمر الأجنبي في هذه اللزمات بمبلغ 36 مليون دينار قيمة بيع أرصدة الكربون الذي ترجع ملكيّته للشركة التونسية للكهرباء والغاز. كما تساءلوا عن عدم الاحتفاظ بأرصدة الكربون المنتجة لتخفيض الاعتمادات التي سيتم توظيفها على مستوى التصدير ودعم تنافسية الاقتصاد الوطني في ظل التحولات العالمية المتعلقة بالبصمة الكربونية.
وشدّد بعض النواب على ضرورة وضع مخطط طاقي تندرج فيه هذه المشاريع، مطالبين بمراجعة الاتفاقيات المبرمة مع أصحاب هذه اللزمات من خلال التخفيض في مدتها ومراجعة الامتيازات الجبائية والديوانية الممنوحة لها إلى جانب النظر في مآل التجهيزات بعد انتهاء مدة اللزمة لضمان حق الأجيال القادمة في محيط بيئي سليم. كما لاحظوا حجم الاتفاقيات المبرمة وملحقاتها التي يتجاوز عدد صفحاتها عدة مئات مشيرين إلى ضرورة إعدادها باللغة العربية.
وفي رده على تساؤلات النواب أوضح وزير البيئة أن تبادل أرصدة الكربون يتم تطبيقا لبنود اتفاقية التعاون حول التغيرات المناخية بين تونس واليابان المصادق عليها بمقتضى مرسوم صادر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية لسنة 2023.
وشدّد على ضرورة التفريق بين اتفاقية التعاون بين تونس واليابان حول الآلية المشتركة لتبادل تخفيضات الكربون (JCM) والتي تُعتبر نموذجا متقدما للتعاون الدولي في مجال العمل المناخي، وبين آلية تعديل حدود الكربون التي تمّ تفعيلها من قبل الاتحاد الأوروبي بدءا من سنة 2026 لفرض رسوم على واردات السلع عالية الانبعاثات.
وأكّد أن الوزارة بصدد القيام بعملية تأهيل بيئي للتسعة (09) مصانع الأسمنت، والتي تتجاوز قيمة وارداتها 200 مليون دينار سنويا من الفحم البترولي الذي يتميز باحتوائه على نسبة عالية جداً من الكربون، إلى جانب العمل على مشروع معالجة النفايات لتحويلها إلى وقود صلب عالي القيمة الحرارية والمعروف بالوقود المشتق من النفايات (RDF).
وخلال جلسة الاستماع المسائية، قدّم الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز لمحة حول آلية تبادل أرصدة الكربون مبينا أنه فيما يتعلق بالمشاريع الكبرى للطاقات المتجددة في إطار نظام اللزمات فإن أرصدة الكربون الناتجة عن المشاريع هي ملكية حصرية للشركة التونسية للكهرباء بمقتضى عقد شراء الكهرباء. وإنه مع ذلك تم التنصيص على عدة خيارات تتعلق بملكية الأرصدة وتقاسمها. ويتمثل الخيار الأول في أن تقوم الشركة التونسية للكهرباء والغاز بتقييم جميع أرصدة الكربون وتتحمّل جميع التكاليف المرتبطة بشهادات الاعتماد الخاصة بها. بينما يتمثل الخيار الثاني في إحالة الشركة التونسية للكهرباء والغاز أرصدة الكربون للحكومة التونسية. أما الخيار الثالث فيتمثل في أن تقوم الشركة التونسية للكهرباء والغاز بتقاسم أرصدة الكربون بالتساوي مع شركة المشروع إذا طلبت ذلك على أن تتحمّل شركة المشروع وحدها جميع التكاليف المتعلقة بالتصديق وإصدار الأرصدة.
وأضاف أنه بالنسبة للمشاريع المبرمجة بولاية سيدي بوزيد وبمنزل الحبيب بولاية قابس تمّ اعتماد الخيار الثاني المتمثل في إحالة الشركة التونسية للكهرباء والغاز لأرصدة الكربون للحكومة التونسية. ويتيح هذا الخيار خفض تكاليف الاستثمار وبالتالي تقديم أسعار بيع كهرباء أكثر تنافسية للشركة التونسية للكهرباء والغاز، وإنشاء أرصدة الكربون وتقاسمها دون أن تضطر الدولة للتدخل في عملية الاعتماد أو تحمّل تكاليف المعاملات.
وثمّن النواب في مداخلاتهم أهمية الاطلاع على الرؤية الفنية لممثلي الشركة التونسية للكهرباء والغاز والاستماع إلى توضيحاتهم بخصوص المشاريع المعروضة وفق مقاربة تمكّن من تعزيز السيادة الطاقية في إطار السيادة الوطنية على ثرواتنا الطبيعية.
وتساءلوا في هذا الصدد عن إمكانية أن تتولى الشركة التونسية للكهرباء والغاز إنجاز هذه اللزمات لحسابها أو الدخول في شراكة مع المستثمرين الأجانب، لا سيما في ظل وجود كفاءات تونسية في هذا المجال.
وفي رده على تساؤلات النواب أكّد الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز أهمية هذه المشاريع في اكتساب التجربة ونقل التكنولوجيا ومعاضدة مجهودات الدولة في دعم وتحسين الوضعية المالية للشركة التونسية للكهرباء والغاز التي تتمتع بدعم مالي من الدولة في حدود 4000 مليون دينار سنويا. وشدّد على تسريع المصادقة على هذه المشاريع ودعم الاستثمار في الطاقات المتجددة.
وأوضح من جهة أخرى أن تثمين أرصدة الكربون يتطلب عدة آليات لا تمتلكها الشركة التونسية للكهرباء والغاز ولا وزارة الصناعة والمناجم والطاقة. وأكّد أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز ليس لها الإمكانيات المالية للاستثمار في هذه المشاريع، لا سيما وأن تكاليف شراءات الغاز من طرف الشركة تبلغ 6000 مليون دينار سنويا بينما تبلغ مداخيل الشركة ما يقارب 5000 مليون دينار بقيمة عجز يبلغ 1000 مليون دينار سنويا.