تحيي تونس يوم السبت 25 جويلية 2026 الذكرى التاسعة والستين لإعلان النظام الجمهوري، وهي مناسبة وطنية مجيدة تستحضر فيها بلادنا بكل اعتزاز محطة مفصليّة من تاريخها الحديث، شكّلت منعطفا حاسما في مسيرة بناء الدولة الوطنيّة، ورسّخت خيار الجمهوريّة باعتباره الإطار الجامع الذي ارتضاه الشعب التونسيّ لتنظيم شؤون دولته وصون سيادتها وتكريس إرادته الحرّة.
ويستحضر مجلس نواب الشعب بهذه المناسبة القرار التاريخي الذي أصدره المجلس القومي التأسيسي المجتمع بقصر باردو يوم 25 جويلية 1957 والقاضي بإلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية التونسية. هذا القرار لم يكن حدثا معزولا في تاريخ البلاد، وإنما جاء تتويجا لمسيرة طويلة من النضال الوطني والكفاح السياسي والفكري، خاضها أبناء تونس على امتداد عقود دفاعا عن استقلال الوطن وتمسكا بحق الشعب في أن يكون صاحب السيادة ومصدر الشرعية.
لقد مثّل إعلان الجمهورية لحظة فارقة في تاريخ تونس، انتقلت فيها الدولة من مرحلة التحرر الوطني إلى مرحلة البناء المؤسساتي، ووُضعت اللبنات الأولى لدولة حديثة تقوم على القانون والمؤسسات، وتتخذ من خدمة المواطن وتحقيق المصلحة العامة غاية لكل سياساتها وخياراتها.
كما يعتز مجلس نواب الشعب بأن يكون قصر باردو الذي شهد إعلان الجمهورية سنة 1957، مقرا للمؤسسة التشريعية إلى اليوم، بما يحمله ذلك من دلالات عميقة تؤكد استمرارية الدولة وامتداد رسالتها في حماية النظام الجمهوري.
وتتزامن هذه الذكرى المجيدة مع مرحلة جديدة من تاريخ الجمهورية، انطلقت مع مسار الخامس والعشرين من جويلية 2021، وتكرّست بإقرار دستور 25 جويلية 2022، الذي أسّس لرؤية متجدّدة للدولة باعتبارها مشروعًا حضاريًا متكاملًا يقوم على سيادة الشعب وترسيخ الدولة الاجتماعية وتحقيق العدالة والإنصاف وإرساء مقاربة تنموية أكثر توازنًا وشمولًا، تجعل الإنسان محور السياسات العمومية وغايتها، وتكرّس مسؤولية الدولة في توفير أسباب العيش الكريم وضمان تكافؤ الفرص وتحقيق التنمية العادلة والمتوازنة بين الجهات وصيانة الثروات الوطنية وتعزيز مكانة تونس في محيطها الإقليمي والدولي.
إن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها بلادنا اليوم، وما يشهده العالم من تحولات متسارعة، يفرضان مزيدا من التلاحم الوطني وتغليب روح المسؤولية والابتعاد عن كل مظاهر الفرقة والانقسام والتجاذب، بإعتبار أنّ قوة الجمهورية لا تقاس بصلابة مؤسساتها فحسب، وإنما أيضا بقدرة أبنائها على الالتفاف حول الثوابت الوطنية وتحويل الاختلاف إلى قوة اقتراح والتنافس إلى حافز للإبداع، والعمل المشترك إلى سبيل لتحقيق التقدم.
ويؤمن مجلس نواب الشعب بأن مستقبل تونس لن يصنعه إلا التونسيون أنفسهم، بإرادتهم وكفاءتهم وتعويلهم على إمكاناتهم وقدرتهم على تجاوز الصعوبات، متى توفرت الإرادة الصادقة ووُحدت الجهود وتقدمت المصلحة الوطنية على كل اعتبار.
إن الجمهورية التي ننشدها هي جمهورية قوية بدولتها وعادلة بمؤسساتها وناجعة في سياساتها، قادرة على توفير أسباب الكرامة وضامنة للحقوق والحريات في إطار القانون. جمهورية تؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تقاس بالمؤشرات الاقتصادية فحسب، وإنما بما توفره للمواطن من أمن واستقرار وتعليم ورعاية صحية وشغل كريم وبيئة سليمة.
وفي هذا الإطار، يجدد مجلس نواب الشعب التزامه بمواصلة الاضطلاع بمهامه الدستورية في المجالين التشريعي والرقابي، بما يعزز نجاعة العمل البرلماني ويسهم في استكمال الإصلاحات وترسيخ التعاون والتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة، خدمة للمصلحة العليا للوطن وتجسيدا لمبادئ الجمهورية كما كرسها الدستور.
ويدعو مجلس نواب الشعب، بهذه المناسبة الوطنية المجيدة، كافة التونسيات والتونسيين إلى جعل هذه الذكرى منطلقا متجددا لترسيخ ثقافة العمل والإنتاج والإبداع والالتفاف حول المبادئ الجامعة للجمهورية، بما يعزّز روح التضامن والتآخي وينبذ كل مظاهر الكراهية والعنف والتجاذبات التي من شأنها أن تنال من وحدة المجتمع وتماسكه. كما يدعو إلى أن تكون المرحلة القادمة مرحلة عمل وإنجاز، تتجه فيها كل الطاقات نحو تحقيق أهداف التنمية وتنفيذ كل المشاريع المدرجة في مخطط التنمية 2026-2030، وتحسين الخدمات العمومية وتعزيز الاستثمار والإنتاج وتثمين الثروات الوطنية وترسيخ العدالة الاجتماعية، بما يحقق تطلعات الشعب التونسي ويؤمّن مستقبلا أفضل للأجيال القادمة.
وبمناسبة الذكرى التاسعة والستين لإعلان النظام الجمهوري، يتقدّم رئيس مجلس نواب الشعب، باسمه الخاص ونيابة عن كافة أعضاء المجلس، بأحر عبارات التهاني إلى فخامة رئيس الجمهورية السيد قيس سعيّد، وإلى الشعب التونسي، معربا عن ثقته في قدرة تونس، بفضل وحدة أبنائها وقوة مؤسساتها وتمسكها بقيم جمهوريتها، على مواصلة مسيرة البناء والإصلاح وصناعة مستقبل أكثر ازدهارا وعدلا وسيادة.
عاشت الجمهورية