عقدت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، جلسة مشتركة مع لجنة المالية والميزانية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، بحضور رئيس اللجنة السيد ماهر الكتاري وكافة أعضائها وعدد من النواب من غير أعضائها، خُصّصت للاستماع إلى وزير الاقتصاد والتخطيط حول مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027.
وأكد رئيس اللجنة، في مستهل الجلسة، أهمية المشروع في تحديد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة والاختيارات الكبرى لإعداد ميزانية الدولة، مشددا على ضرورة اعتماد فرضيات واقعية تستند إلى معطيات دقيقة وتعكس الإمكانات الفعلية للاقتصاد الوطني. كما دعا إلى التمييز بين المشاريع المعلنة والإنجاز الفعلي، وإعطاء الأولوية للقطاعات المنتجة والقادرة على خلق الثروة ومواطن الشغل وإدماج خريجي الجامعات والتكوين المهني، معتبرًا أن تحقيق نمو يفوق 4% من شأنه أن يساعد على الاستجابة لمتطلبات التشغيل والتنمية. وشدد كذلك على ضرورة تحديد أسباب العجز الطاقي، وتركيز الموارد المحدودة على البرامج ذات الأولوية، والتثبت من جاهزية المشاريع وتوافر شروط تنفيذها قبل مناقشة ميزانية الدولة لسنة 2027، مع المحافظة على الدور الاجتماعي للدولة وتحسين مناخ الاستثمار.
من جهته أكد الوزير أن الجلسة تمثل فضاء للحوار وتبادل الآراء حول سبل النهوض بالاقتصاد التونسي، مشيرا إلى قابلية التقديرات الاقتصادية للمراجعة والتحيين وفق تطور المعطيات والظروف واوضح أن إعداد مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027 تم في سياق عالمي يتسم بالتوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة والمواد الأولية وارتفاع كلفة النقل والتأمين والأسمدة، إلى جانب الضغوط التضخمية، مشيرا إلى قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود رغم استمرار الاختلالات الهيكلية. وبيّن تفاوت أداء القطاعات الإقتصادية خلال سنة 2026، إذ تحسنت نتائج الفلاحة والصناعات الغذائية، خاصة بفضل إنتاج زيت الزيتون والحبوب، في حين تراجع إنتاج الفسفاط والمحروقات، بما ساهم في ارتفاع واردات الأسمدة والطاقة والضغط على التوازنات الخارجية. كما تحسنت عائدات السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وسُجّل فائض في الميزان الغذائي مقابل استمرار العجز التجاري، الذي ساهم العجز الطاقي بنحو نصفه، وتراجع احتياطي العملة الأجنبية إلى ما يغطي 93 يوم توريد. وبلغت نسبة البطالة 14.9% والتضخم 5.3%.
وبخصوص فرضيات النمو والمؤشرات الاقتصادية، أفاد الوزير بأن تقديرات النمو لسنة 2026 تم تحيينها من 3.3% إلى 2.7%، على ان تبلغ نسبة النمو المستهدفة لسنة 2027 3.1%، وارتفاع نسبة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي من 15.5% إلى 16.4%، والاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 4.8 مليارات دينار، مقابل 4 مليارات دينار سنة 2026. كما يُنتظر أن ترتفع صادرات السلع والخدمات بنسبة 8%، وأن تتراجع نسبة التضخم إلى 5.2% والبطالة إلى 14.5%. وتستند هذه التقديرات إلى تحسن الطلب الخارجي وارتفاع إنتاج الفسفاط والمحروقات واستقطاب 11.5 مليون سائح، مع اعتماد سعر النفط في حدود 80 دولارا للبرميل.
وأكد الوزير ضرورة تعزيز الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال وتنافسية المؤسسات، وتسريع إنجاز المشاريع الكبرى ودعم القطاعات الواعدة، مع معالجة الاختلالات الهيكلية ودفع الانتقال الطاقي والمائي والتحكم في التضخم والعجز الجاري، بما يعزز صمود الاقتصاد الوطني.
واستعرض الوزير محاور السياسات التنموية لسنة 2027، التي تشمل تحقيق تنمية اجتماعية عادلة ، وتعزيز التنمية الجهوية متوازنة ، وتعصير النسيج الاقتصادي والبنية التحتية ، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقي والبيئي كما تشمل تحديث الإطار المؤسساتي ورفع نجاعة المرفق العام.
وتناولت تدخلات النواب مدى واقعية فرضيات النمو والاستثمار وقدرة الاقتصاد على تحويل المشاريع المعلنة إلى إنجازات فعلية، مطالبين بتوضيحات حول الأسس المعتمدة لتحديد نسب النمو والاستثمار، وحجم الاستثمارات الأجنبية ومشاريعها ونسب إنجازها، والآليات والآجال المعتمدة لتقييم النتائج وتساءل النواب عن المحركات الفعلية لتحقيق النمو الاقتصادي المستهدف، وإمكانية بلوغ نسبة تفوق 4% بما يتيح خلق فرص شغل كافية والحد من البطالة، خاصة في صفوف خريجي الجامعات والتكوين المهني وطويلي البطالة.
وطالب النواب بتوضيح تفاصيل الاستثمارات الأجنبية المباشرة المقدّرة بـ 4.8 مليارات دينار، وعدد المشاريع المبرمجة ونسب إنجازها ودخولها حيز الإنتاج، داعين إلى وضع خارطة طريق لدعم الاستثمار والصادرات وتحسين تنافسية المؤسسات، وضمان تناسق الفرضيات الاقتصادية مع الاعتمادات المرصودة وقدرة ميزانية الدولة على تمويل مخطط التنمية، مع التحكم في العجز والمحافظة على الدور الاجتماعي للدولة. كما دعوا إلى توضيح كيفية التعامل مع تغير الفرضيات أثناء السنة المالية في ظل عدم اللجوء إلى قانون مالية تعديلي. وأثاروا كذلك مسألة تفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025 ومآل النصوص القانونية المصاحبة لمخطط التنمية، وتوزيع المشاريع بين البرامج القطاعية والخصوصية، وآليات التنسيق والتشاركية بين مختلف الأطراف.
وشدد النواب على ضرورة تبسيط الإجراءات الإدارية ومراجعة التشريعات المنظمة للاستثمار والصفقات العمومية والصرف والمياه، وتسريع الرقمنة وإلغاء الرخص المسبقة التي تعطل المبادرة، مع توفير الاستقرار التشريعي والجبائي والتمويلات والحوافز اللازمة لتحسين مناخ الأعمال. كما أكدوا أهمية توجيه السياسات نحو القطاعات المنتجة، خاصة الفلاحة والفسفاط والطاقة والصناعات التصديرية والصناعات ذات القيمة المضافة، ودعم الإنتاج الوطني وتنويع الصادرات، ولا سيما نحو الأسواق الإفريقية.
وتطرقت تدخلاتهم أيضا إلى العجز التجاري والطاقي وتراجع إنتاج المحروقات وطالب النواب بتوضيح استراتيجية الدولة في مجال الطاقة، ومآل حقول النفط الجديدة، وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة بما يقلّص التبعية الطاقية ويعزّز أمن التزوّد ويرشّد الاستهلاك. بالإضافة إلى تسريع الانتقال الطاقي وتطوير الطاقات المتجددة، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، وإشراك المصالح الجهوية والمجالس المحلية والجهوية في تحديد الأولويات التنموية ومتابعة تنفيذها، إلى جانب التوفيق بين تعبئة الموارد الذاتية والتمويل الخارجي وضمان استدامة الدين العمومي وحسن توظيف التمويلات.
كما شددوا على أهمية إشراك المصالح الجهوية والمجالس المحلية والجهوية في إعداد المخططات التنموية ومتابعتها، واعتماد مقاربة تشاركية وقاعدية في تحديد الحاجيات والأولويات، مع ضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين وتوفير الاعتمادات والإمكانات الضرورية للتنفيذ.
كما أثار النواب وضعية المؤسسات والمنشآت العمومية، مؤكدين ضرورة إصلاحها وإعادة هيكلتها وتحسين حوكمتها ومردوديتها، مع المحافظة على دورها الاقتصادي والاجتماعي وضمان استمرارية المرافق العمومية، وتفادي تحول اختلالاتها المالية إلى أعباء متواصلة على ميزانية الدولة.
وفي تفاعله مع هذه المسائل، أكد الوزير أن توجه الدولة لا يقوم على التفويت في المؤسسات العمومية، بالنظر إلى دورها الاقتصادي والاجتماعي، بل يهدف إلى تحسين حوكمتها وأدائها المالي وتعزيز قدرتها على تغطية نفقاتها واستدامة نشاطها. وأشار إلى الإجراءات المتخذة في إطار منشور الحكومة عدد 4، وإلى العمل على استكمال القوائم المالية للمؤسسات، موضحا أن قوائم سنتي 2022 و2023 لا تزال في طور الإنجاز، وأنه يُرتقب استكمال قوائم سنة 2024 خلال الثلاثي الأول، وقوائم سنة 2025 خلال الثلاثي الأول من سنة 2027.
وبخصوص التزود بالكهرباء، أوضح الوزير أن الاضطرابات المسجلة خلال الصائفة ارتبطت بارتفاع الطلب على الطاقة وتراجع العرض المتاح في ظل درجات الحرارة المرتفعة، مشيرا إلى التوجه نحو توفير محطات جديدة لإنتاج الكهرباء لضمان استقرار التزود خلال صائفة سنة 2027. كما أكد أن العجز التجاري يرتبط أساسا بالعجز الطاقي، وأن الفرضيات الاقتصادية قابلة للتحيين وفق تطور الظروف الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية والمناخية. وأبرز كذلك توجه الدولة نحو مراجعة الإجراءات الإدارية وإلغاء التراخيص والعراقيل التي تعطل الاستثمار، مع مواصلة متابعة تطور الأسعار وانعكاساتها على التوازنات الاقتصادية والمالية والقدرة الشرائية للمواطنين.
وأكدت أشغال الجلسة أهمية اعتماد فرضيات اقتصادية واقعية، وتسريع إنجاز المشاريع، ومعالجة الاختلالات الهيكلية، وتحسين مناخ الاستثمار، وضمان التكامل بين الميزان الاقتصادي ومخطط التنمية وميزانية الدولة، بما يدعم النمو والتشغيل ويحافظ على الدور الاجتماعي للدولة واستقرار التوازنات الاقتصادية والمالية